تدريبات مسائية للسعادة

انا واحدٌ من هؤلاء الذين لا يعبأون بتقلبات الجو الناتج من تبادل الفصول أو معانقة المرضي أو إرتداء ملابس فيما يشبه رجل “الميشيلَّان” وذلك لأنني أثق ثقة عمياء في مناعتي لدرجة تمنعني من تذكر متي كانت آخر مرة تناولت فيها أياً من الأدوية ولكنه الآن في تلك اللحظة يبدو أنه قد أصابني المرض فالجسد تملَكتهُ رعشة خفيفة طالت كل الأطراف بمنتهي الثقة ، والصدر صار لا يتحمل تبادل الأنَفاس فأخذ يلفظها في دفعات متواترة من الكحة، هذا ولكن لا يهم فلطالما كانت للسعادة ضريبة من الألم مستحقة واجبة الدفع فالمسئولية يقابلها النجاح الألم يقابله الحب السعادة المفرطة -كالآن- يقابلها أشياء كثيرة يحتاج ذِكرُها أن ندور بالساعة دورتين ونصف. في تمام الساعة الثانية والربع صباحاً كنت مأخوذاً بغضبٍ أحكم يديهِ حول أعصابي فأنهكها ووترها حتي صار كل المشهد أمامي مصبوغاً بالأزرق القاتم كأول الليل. مخططاتي كلها أصبحت أمامي مؤجلة فتحولت لنوع من القلق. رغباتي أيضاً صعبة التنفيذ تحت كم من المسئوليات الحياتية الرتيبة فتحولت لتوتر ينهك ما تبقي من بقايا أعصابي بل وأكثر من ذلك كيمياء جسدي المختلة لإمتناعي عن القهوة بعد أن أتلفت أعصابي بدرجة تستدعي الحذر.
اليوم مرَّ بتهادٍ ممل كعجوز فلم أخرج من البيت ولم أتحدث إلي أحد من أصدقائي اليوم سوي بعض مكالمات هاتفية بين نومٍ ونوم أتذكرها الآن كأنها لأحدٍ لا يخصني كل هذا ولَّدَ كبتاً سخيفاً فزإزداد غضبي وتوتري صرت لا أطيق الجلوس أمام – اللاب – في محاولة ساذجة لتعلم اللغة الألمانية بكلماتها التي تشبه الحياة في عالمنا ثقيلة بها الكثير من الغين والخاء والتشخير

كانت

كان قراراً حكيماً/مجنوناً حين قررت أن أفرغ كل ذلك الكبت والضيق في قدماي وأركض علي الكورنيش غير عابئ بدرجة البرودة التي جمدت الدم تحت جلدي.. إرتديت حذائي, أخذت المفاتيح

والموبايل وتسللت بخفة طفولية خارج المنزل

كانت الجو جامداً والشوارع خلت من البشر سوي القليل منهم داخل السيارات أو يقودون الموتوسيكلات سريعاً نحو دفء بيوتهم, كنت وحيداً في الطريق أستمع إلي مزيج من موسيقي فيروز وكاميليا جبران كنت سعيداً لدرجة أني تسائلت لما لا تكون كل الوحدة هكذا ولما لا يشاركني أحد جنوني في تلك اللحظة لحظة الخروج عن المنطق والمعتاد الطبيعي حيث نكون ذكريات حقيقية تخصنا وحدنا ربما دامت إلي الأبد في ذاكرتنا مهما إزداد الزحام.

منتشياً كنت بالموسيقي والسقيع أحاول أن أستمع إلي أغاني أحفظها كأسماء كل من رحلوا كأنها أول مرة في محاولة التوحد بها وأنتشي أستشعر الهواء الذي يلفح يداي ووجهي وأتوحد به وأشعر أني حصان يركض من فرط الخفة يطيرمنتشيا.ً

كنت سعيداً حد الإفراط وحيداً في الشوارع الفارغة أحدثها كم أنتِ رائعة شهية حرة كاملة مبتغاة دون أنفاس البشر وضجيجهم وقمامتهم وإستهتارهم، كنت وحيداً ومكتملاً تماماً لا ينقصني شئ ولا شئ أنقصه العالم خالي تماماً والمدينة مملكة تخصني وحدي أركض بطرقاتها كملك بلا أدني مسئولية وبلا مشتتات خارجية.

وفي المنتهي أنهكني التعب فأكلمت طريقي ماشياً نحو البيت بصحبة كاميليا جبران التي كانت تصدح بأغاني “أرجوحة” و”صوت في سكوت الليل” و “وأبو حبلة” حتي وصلت البيت وهناك كافئت نفسي بحمام ساخن  أذابني بسعادة البلل، خرجت أعددت كوباً من المشروب الخرافي الذي يدعي (آيرل جراي) خليط الشاي مع نبات البرغموت الإستوائي (والبرغموت هو هجين من الجوافة والليمون يزرع في المناطق الإستوائية) وجلست أكتب هذه التدوينة التي سألجأ إليها في لحظةٍ ما لأتذكر أن السعادة الحقيقية قرارداخلي لا يرتبط بأشخاص بعينهم أو مواقيت بعينها فقط كل ما تحتاجه السعادة هو الجنون..والآن لأواجه سريعاً أول المرض بسعادة !

21-1- 2013
5:45 صباحاً

Advertisements

2 thoughts on “تدريبات مسائية للسعادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s